سورة الأحزاب - تفسير تفسير الألوسي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (الأحزاب)


        


{قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16)}
{قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل} أي لن ينفعكم ذلك ويدفع عنكم ما أبرم في الأزل عليكم من موت أحدكم حتف أنفه أو قتله بسيف ونحوه فإن المقدر كائن لا محالة {وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا} أي وإن نفعكم الفرار بأن دفع عنكم ما أبرم عليكم فمتعتم لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعًا قليلًا أو زمانًا قليلًا.
وهذا من باب فرض المحال ولم يقل: ولو نفعكم إخراجًا للكلام مخرج المماشاة أو إذا نفعكم الفرار فمتعتم بالتأخير بأن كان ذلك معلقًا عند الله تعالى على الفرار مربوطًا به لم يكن التمتيع إلا قليلًا فإن أيام الحياة وإن طالت قصيرة، وعمر تأكله ذرات الدقائق وإن كثر قليل، وقال بعض الأجلة: المعنى لا ينفعكم نفعًا دائمًا أو تامًا في دفع الأمرين المذكورين الموت أو القتل بالكلية إذ لابد لكل شخص من موت حتف أنفه أو قتل في وقت معين لا لأنه سبق به القضاء لأنه تابع للمقضي فلا يكون باعثًا عليه بل لأنه مقتضى ترتب الأسباب والمسببات بحسب جرى العادة على مقتضى الحكمة فلا دلالة فيه على أن الفرار لا يغني شيئًا حتى يشكل بالنهي عن الإلقاء إلى التهلكة وبالأمر بالفرار عن المضار، وقوله تعالى: {وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا} يدل على أن في الفرار نفعًا في الجملة إذًا لمعنى لا تمتعون على تقدير الفرار إلا متاعًا قليلًا، وفيه ما فيه فتأمل.
وذكر الزمخشري أن بعض المروانية مر على حائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب وكأنه مال إلى الوجه الثاني أو إلى ما ذكره البعض في الآية؛ وجواب الشرط لإن محذوف لدلالة ما قبله عليه و{أَذِنَ} تقدمها هاهنا حرف عطف فيجوز فيها الأعمال والإهمال لكنه لم يقرأ هنا إلا بالإهمال. وقرئ بالأعمال في قوله تعالى في سورة [الإسراء: 76] {وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُواْ خلافك} وقرئ {لا يُمَتَّعُونَ} بياء الغيبة.


{قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17)}
{قُلْ مَن ذَا الذى يَعْصِمُكُمْ مّنَ الله إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} استفهام في معنى النفي أي لا أحد يمنعكم من الله عز وجل وقدره جل جلاله أن خيرًا وإن شرًا فجعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة مع أنه لا عصمة إلا من السوء لما في العصمة من معنى المنع، وجوز أن يكون في الكلام تقدير والأصل قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوأ أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر نظير قوله:
ورأيت زوجك في الوغى *** متقلدًا سيفًا ورمحًا
فإنه أراد وحاملًا أو ومعتقلًا رمحًا، ويجري نحو التوجيه السابق في الآية، وجوز الطيبي أن يكون المعنى من الذي يعصمكم من الله أراد بكم سوأ أو من الذي يمنع رحمة الله منكم إن أراد بكم رحمة، وقرينة التقدير ما في {يَعْصِمُكُمْ} من معنى المنع، واختير الأول لسلامته عن حذف جملة بلا ضرورة.
{وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيًّا} ينفعهم {وَلاَ نَصِيرًا} يدفع الضرر عنهم، والمراد الأولى فيجدوه إلخ فهو كقوله:
ولا ترى الضب بها ينجحر ***
اه.
وهو معطوف على ما قبله بحسب المعنى فكأنه قيل: لا عاصم لهم ولا ولي ولا نصير أو الجملة حالية.


{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18)}
{قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ} أي المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا} أي اقبلوا إلينا أو قربوا أنفسكم إلينا، قال ابن السائب: الآية في عبد الله بن أبي. ومعتب بن قشير. ومن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة كانوا إذا جاءهم المنافق قالوا له: ويحك اجلس ولا تخرج ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر أن ائتونا فإنا ننتظركم، وقال قتادة: هي في المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم من ساكني المدينة من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحمًا لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه فخلوهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب إلى شقيقه فوجد عنده شواء ونبيذًا فقال له: أنت هاهنا ورسول الله عليه الصلاة والسلام بين الرماح والسيوف فقال: هلم إلى فقد أحيط بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبدًا فقال: كذبت والذي يحلف به لأخبرنه بأمرك فذهب ليخبره صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل عليه السلام قد نزل بهذه الآية.
وقيل: هؤلاء اليهود كانوا يقولون لأهل المدينة: تعالوا إلينا وكونوا معنا، وكأن المراد من أهل المدينة المنافقون منهم المعلوم نفاقهم عند اليهود؛ و{قَدْ} للتحقيق أو للتقليل وهو باعتبار المتعلق، و{مّنكُمْ} بيان للمعوقين لأصلته كما أشير إليه، والمراد بالأخوة التشارك في الصفة وهو النفاق على القول الأول، والكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم على القول الأخير، والصحبة والجوار وسكنى المدينة على القول الثاني وكذا على القول الثالث فإن ذلك يجامع الأخوة في النسب، وظاهر صيغة الجمع يقتضي أن الآية لم تنزل في ذينك الشقيقين وحدهما فلعلها نزلت فيهما وفي المنافقين القائلين ذلك والأنصار المخلصين المقول لهم، وجواز كونها نزلت في جماعة من الأخوان في النسب مجرد احتمال وإن كان له مستند سمعي فلتحمل الأخوة عليه على الآخوة في النسب ولا ضير، والقول بجميع الأقوال الأربعة المذكورة وحمل الأخوة على الأخوة في الدين والأخوة في الصحبة والجوار والأخوة في النسب لا يخفى حاله، {وهلم} عند أهل الحجاز يسوي فيه بين الواحد والجماعة، وأما عند تميم فيقال: هلم يا رجل وهلموا يا رجال، وهو عند بعض الأئمة صوت سمي به الفعل، واشتهر أنه يكون متعديًا كلهم شهداءكم عنى أحضروا أو قربوا ولازمًا كهلم إلينا بناء على تفسير بأقبلوا إلينا؛ وأما على تفسيره بقربوا أنفسكم إلينا فالظاهر أنه متعد حذف مفعوله، وجوز كونه لازمًا وهذا تفسير لحاصل المعنى.
وفي البحر أن الذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتًا وإنما هو مركبك اختلف في أصل تركيبه فقيل: مركب من ها التي للتنبيه والميم عنى اقصد وأقيل وهو مذهب البصريين، وقيل: من هل وأم، والكلام على المختار من ذلك مبسوط في محله.
{إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البأس} أي الحرب والقتال وأصل معناه الشدة {إِلاَّ قَلِيلًا} أي إتيانًا أو زمانًا قليلا فقد كانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بدًا من إتيانه فيأتون ليرى الناس وجوههم فإذا غفلوا عنهم عادوا إلى بيوتهم، ويجوز أن يكون صفة مفعول مقدر كما كان صفة المصدر أو الزمان أي إلا بأسًا قليلًا على أنهم يعتذرون في البأس الكثير ولا يخرجون إلا في القليل، وإتيان البأس على هذه الأوجه على ظاهره، ويجوز أن يكون كناية عن القتال، والمعنى ولا يقاتلون إلا قتالًا قليلًا كقوله تعالى: {وَمَا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلًا} [الأحزاب: 20] وقلته إما لقصر زمانه وإما لقلة غنائه، وأيًا ما كان فالجملة حال من {القائلين} وقيل: يجوز أيضًا أن تكون عطف بيان على {بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ} وهو كما ترى، وقيل: هي من مقول القول وضمير الجمع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أي القائلين ذلك والقائلين لا يأتي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حرب الأحزاب ولا يقاومونهم إلا قليلًا، وهذا القول خلاف المتبادر وكأنه ذهب إليه من قال إن الآية في اليهود.

2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9